تمهيدات
إن ما يعيشه قرابة الخمسين ألف شاب وشابة سعودي حول العالم من تجربة فريدة في التحاور والتثاقف والتعايش لهو مشروع يستحق أن نتفائل له و به، (فالبركة في الشباب)!!
هؤلاء الشباب يعيدون رسم تصوارتهم عن الحياة والانسان بحرية وذاتية على قاعدة متينة من الثوابت الإيمانية ثم بعدها يعودون إلى مجتمعهم يحملهم إليه الشوق ويحملون إليه طموحا محلقا في التطوير وعزيمة لا تكسر على التجديد والتغيير.
وبرغم عدم معرفتي القطعية بمستوى القصدية في إنتاج هذه الفكرة العبقرية – فالمصادر لا تنضح بما فيها ! فلا يمكنني إلا أن أتصور أن هناك تخطيطا راشدا يقف خلفه فهم عميق وتصور واضح، يستمدان نضجهما من نضج الرؤية الإصلاحية التي يرفع لواءها خادم الحرمين الشرفين.
الحديث عن تجربة الابتعاث حديث طويل يستحق أن تفرد له دراسة وبحث مستقل(1) لذا سأتجنب مواجهته المباشرة في هذه السطور والتي لن تتمكن من لم شتاتي ولن تطيق جمع شتاته وسأكتفي بمغازلته بلطف من خلال مشاركتكم في إحدى الأفكارالمتعلقة بموضوع الابتعاث وبرامجه وأنشطته.
تتلخص هذه المغازلة البريئة في محاولة إيجاد سياق نظري يُنظر من خلاله إلى برامج الابتعاث.
أحاول -هنا – أن أخرج الفكرة من لبوسها الأكاديمي إلى ثوبها الاجتماعي البسيط بدون أي مكياج – عسى أن تكون جذابة – وسوف أقتصر على مثال الانتخابات للأندية والجمعيات الطلابية والروابط العلمية التي يتعرض لها المبتعثون هذه الأيام كتطبيق للفكرة. و لضيق المساحة المتاحة –هنا -سأتجاوز كثيرا من التفصيلات والتأصيلات اللازمة وغير اللازمة فأرجو أن أوفق في عرض شيء مختصر ومفيد.
النظرية
يمكن ان نقرأ مشروع الانتخابات وما سيحدثه من تطوير في مجتمعنا من خلال ما يمكن أن (أ)سميــه بنظرية “البناء الفردي للثقافة”. طبعا هذه التسمية من (جيبي) و يمكن أن تتغيير لاحقا !!
هذه النظرية تظهر جلية في بعض إشارات الامام الشيرازي رحمه الله وفي فكر الفيلسوف ماكس ويبر. و لأني منجذب إلى هذه النظرية – سأحاول جذب من يريد إليها. ولعل من أشد ما جذبني إلى تلك النظرية حين رأيت بأن النص المقدس يحمل بعض الاشارات الواضحات إلى بعض أبعادها.
وعلى طريقة أصحاب التفسير الاشاري والامام الالوسي على وجه التحديد سوف أقرأ قوله سبحانه و تعالى في سورة الرعد “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”.
هذه الآية الكريمة تشير حين التأمل في ألفاظها ومعانيها وأثرها إلى ملمح من ملامح نظرية البناء الفردي للثقافة” وذلك لأنني أفهم قوله : ” بأنفسهم ” من خلال قوله تعالى في سورة النور ” فسلموا على أنفسكم ” ومن خلا قوله سبحانه وتعالى – أيضا في سورة البقرة ” لا تقتلوا أنفسكم”.
وهناك شواهد كثيرة من السنة النبوية تشير إلى هذا المفهوم استعراضها وشرحها قد يخرج الموضوع عن غرضه.
ملاحظات :
1- يقول الامام القرطبي عن آية سورة الرعد : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير ، إما منهم أو من الناظر لهم ، أو ممن هو منهم بسبب
2- يقول الامام الشوكاني عن آية سورة النور: أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم
3- يقول الامام السدي معنى أنفسكم أي أهل دينكم .
4- يقول الشوكاني أيضا عن آية سورة البقرة : لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضا
5- يقول الامام القرطبي عن آية سورة البقرة: أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا
من كلامهم رحمهم الله يظهر أن التعبير بالنفس عن الآخر والآخرين تعبير وارد في الشرع والنص المقدس.
تتلخص فكرة النظرية في أن أي تغيير فاعل واعي وتطوير إيجابي في القيم والأخلاق والحراك الاجتماعي يعتمد على التغيير الواعي في ثقافة المجتمع وفكره.
في المقابل هذا النوع من التغيير الثقافي والفكري معقد وينطوي على مخاطر إجتماعية كثيرة ليس أقلها ما يكون من عبثية بعض بدايات التغيير وليس من أشدها نفسية المقاومة في النسق التقليدي الاجتماعي. هذه المخاطر التي تكتنف عملية التغيير قد تضر المجتمع وتحدث تفككا وانقساما . وحتى لا يتحمل كافة أفراد المجتمع وزر هذه المخاطرة ، فإن أسلم الطرق إلى ذلك هو تعريض مجموعة أفراد من المجتمع إلى المستوى المطلوب من التغيير والتطوير وإتاحة الفرصة لهم للتفاعل معه وتطويرهم الذاتي له بما يتناسب مع طبائعهم وميلولاتهم . هذه المجموعات يمكن أن نسميها بالنخب الثقافية.
تتمحور فكرة النظرية الشيرازية والتي تتقاطع مع نظرة ويبر للتغير الاجتماعي حول أن التغيرالثقافي الاجتماعي يكون على شكل مجموعات ( نخب ثقافية). يؤكد هذا الكلام ما ذهب إليه الأستاذ راجي أنور هيفا في قراءته لامام الشيرازي حيث يقول : ” لكي نحوّل العالم المحيط بنا إلى مستوى ثقافي أكثر رقياً، يجب علينا أن نغير ما في أنفسنا، ولا يمكن لنا أن نحقق الغاية المطلوبة عن طريق العنف بتصفية الثقافة القديمة وقيمها وإحلال الثقافة الجديدة المفترضة بدلاً منها، ولكن يمكننا ـ من وجهة نظر الإمام الشيرازي ـ أن نجد محطات انطلاق مؤقتة وذلك بالانضمام إلى الهيئات والمنظمات التي تعمل بشكل جدي ورسمي على دراسة طرق الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، أو بسن التشريعات والقوانين التي تتناسب مع حاجاتنا ورغباتنا النفسية والاجتماعية التي تردم الثغرات بين (الأنا الداخلية) و(الأنا الخارجية) (2).
التطبيق
في مشروع الانتخابات الطلابية يتعرض المبتعثون والمبتعثات أثناء رحلتهم الدراسية والثقافية إلى تجربة الاقتراع وحرية الاختيار في عمل إجتماعي منظم يساهم ويؤثر في صنع قرارات إدارية تتعلق بمصلحتهم العامة وتسهل لهم سبل عيشهم وتعايشهم بكافة أطيافهم وشرائحهم. باختصار إننا نمارس شكلا من أشكال الثقافة الديمقراطية. إنها ثقافة جديدة عن ثقافة مجتمعنا الذي يعيش بسبب تركيبته القبلية ما يسمى بالنسق الجمعي.
لست مغرما بالدمقراطية في سياقها السياسي – حيث أنها في كثير من تطبيقاتها الماضية حول العالم غرم على الشعوب وتسلط مشرعن على الحريات – ولا أستطيع أن أتخيل أن ما يدور -في واقعنا- من انتخاب وتصويت وصياغة أهداف وانشاء جمعيات وروابط له علاقة بتدريبنا على فكرة التعامل مع الديمقراطية السياسية والتي أثبتت فشلها في عقر دارها !
لذا فإن القراءة السليمة لمشروع تجربة الانتخابات الطلابية التي احتظنت ترشيدها وزارة التعليم العالي يأتي في سياق ما يعرف بـ الديمقراطية الاجتماعية (3).
الديمقراطية الاجتماعية هي موجة جديدة استطاع بعض فلاسفة هذا القرن استثارتها للخروج بفكرة الديمقراطية من تحت بسطار السياسة إلى بدلة المجتمع أو عبائته. فكرة تتمحور حول المجتمع وتركز عليه بدل من التركيز على السلطة أو ما يسمونه بالشرعية السياسة.
مشاركتنا في هذه الانتخابات تتيح لنا الفرصة في أن نجرب ونتعلم ونطور ثقافتنا الديمقراطية في سياقها الاجتماعي الجديد إن صح التعبير لنستخلص منها ما يتناسب مع مجتمعنا وهويته ذات الجذور الأصيلة .
وبما أن كل شيء حولنا يتطور ويسمح لنا بأن نساهم في تطويره كما ويتيح لنا الفرصة في التطور معه. فهاهي الفرصة أتيحت للنخبة المثقفة من أبناء مجتمعنا لنجرب الديمقراطية الاجتماعية ونطورها ونتطور معها وبدون أي أضرار اجتماعية ناتجة عن عبثية البدايات.
أعتقد أن العقل الذي يتحمله أبناء وطننا الحبيب! سيساهم في تطوير مفهوم الديمقراطية الجديدة وسيحمله معدلا إلى مجتمعنا المتطلع للتطوير والتجديد على أسسه الثابتة ، إنني أعتقد ذلك لسببين :
السبب الأول هو أن الدراسة في خارج الوسط الذي نشأت عقولنا فيه وتربت ممارساتنا من خلاله يمنحنا رافدا آخر من روافد الحرية في التغيير والتطوير بعيدا عن عوامل الاحتكاك الاجتماعية.
أما السبب الثاني فهو متعلق بالمرونة التي يتشكل منها مفهوم الديمقراطية. فهي ابتداءاً من مبادئها اليونانية وانتهاء بتطبيقاتها البرقماتية ليست سوى فكرة يشكلها الاطار الفلسفي العام الذي تطبق فيه. وبما أن لدينا تصورا واضحا عن الانسان والعدل والحرية والسلام أو نسعى ليكون لدينا هذا التصور فنحن قادرون على أن نخلق دمقراطية بنكهتنا السعودية.
إن هذه الاجراءات الانتخابية يمكن استثمارها في قدح فكرة التُّـفْكر في تطبقات “الدمقراطية الاجتماعية” التي يتطلع لها الكثير من شعوب العالم ويعقدون عليها أملا في الارتقاء بعلاقة الانسان مع الانسان الاخر.
الانتخابات الحالية بما فيها من ترشح وتصويت ومحاسبة تجربة فريدة للمبتعث تضاف إلى رصيد تجاربه الحياتية التي ترسم خارطته الفكرية وتصوراته النظرية.
و كما تفترض النظرية الشيرازية : فإن تعرضنا الثقافي لتجربة ممارسة الديمقراطية الاجتماعية خطوة فاعلة في احداث أثر فاعل وتطوير اجتماعي كبير حين تعود هذه النخب لتعيش حياتها الطبيعية في المجتمع .
ختاما أعتذر إن (جبت) العيد قبل موعده!!
فاستروا ما واجهتم واستمتعوا بالتصويت والانتخابات ومارسوا الديمقراطية عى أصولها
كل عام ونحن بخير
———————————————
———————————————
هامش:
1- بحث الدكتوراه الذي أعمل عليه حاليا هو دراسة ظواهيرية لتجربة المبتعث والمبتعثة السعودي في أستراليا.
2- مقال ملامح النظرية الثقافية عند السيد محمد الشيرازي لراجي أنور هيفا.
3-لأخذ تصور عام انظر مصطلح Social democracy في Wikipedia وانظر أيضا : أسس وركائز وتطبيق الديمقراطية لنويل مبيض
Popularity: 10% [?]